الباحث “سفيان أحدادا” يكتب قصة قصيرة بعنوان “دستور الغاب”

دستور الغاب.. بقلم الطالب الباحث سفيان أحدادا

كان يا مكان، في قديم الزمان، وسالف العصر و الأوان. أسد قوي نصب نفسه على الغابة سلطان. وكان دينه و ديدنه افتراس الغزلان و الحملان، يساعده في غزواته ضبع شرس لا يشبع من الفتك بالحيوان. ولان الضبع كان يعرف ان سيده الليث تكفيه هو و لبوته و شبله ثلاثة من الغزلان او الحملان، لذا فقد اعتاد قتل عشرة منها لكي يحتفض لنفسه بالسبعة الباقية.
ضجت و ثارت الحملان و الغزلان من الفتك الذريع بهن، فأسرعت الى الفيل ليشتكين من هول ما يحدثه الضبع من سلب لحريتهن و حقهن في حياة آمنة . شمر الفيل عن خرطومه و توجه غاضبا نحو عرين الضبع، استدعاه و خاطبه و هو يلوح بخرطومه :
• اسمع أيها الضبع النتن، إياك ثم إياك ان تفتك باي حمل او غزال، و الا حطمت عظامك باقدامي الضخمة و ألقي بك في المستنقع، فتغرق هناك غير مأسوف عليك.
• أرجوك يا معالي الفيل المبجل ان تتمالك أعصابك، فكلنا شركاء في هذه الغابة كما ينص دستور الغاب، كيف لي يا معالي الفيل المحترم ان اقلع عن أكل لحمهن الطازج، هل يرضى سيادتكم ان أموت جوعاً ؟
• فل تجرب أكل الأعشاب، و لتملأ فمك النتن بها، فهي لذيذة و مغذية و لا عظام و لا دماء فيها.
• و لكنني لا أحب أكل الأعشاب ! و لا أستطيع تصور كيف للاعشاب ان تشبع فيل ضخم مثلك.
• ولما لا تتناول وجبتك في مطاعم الماكدونالدز ؟
• مطعم الماكدونالدز ؟ لكن أسعاره غالية و لحومه متورمة، و مذبوحة على غير احكام الشريعة .
• لما لا تشتغل في مهنة شريفة ؟ غير الفتك بالحيوانات المسالمة، و تشتري طعامك بعرق جبينك مثل باقي حيوانات الغابة .؟
• لكنني يا معالي الفيل امتهن اشرف وظيفة، رغم انني احرم على نفسي قبض النقود نتاج عرق جبيني، وكل ذلك قربة الى الرب تعالى.
• و ما هي وظيفتك !! ؟
• انا الكاهن الأعظم للهيكل الحجري، انني أتكفل بهداية العباد المذنبين الخاطىين الى درب الرب الصحيح القويم، مجانا دون اي مقابل . كما انني  أقوم بتأمين الاتصال مع الرب و أقيم الصلوات، و اتلو الأدعية. و ان سمحت لي نيافة الفيل ان اكتب لك حرزا يحميك من شر الحاسدين و اتكهن لمستقبلك …
• كلا كلا .. انا لم افهم كيف للرب ان يؤمن اتصالاته و يتلو صلواته ضبع سفاح حقير مثلك، لست مستعد لسماع تراهاتك. اريد منك الان وعدا باتا بأنك لن تفترس احدا من اخوتي الحيوانات، مفهوم ؟
• مفهوم نيافة الفيل المبجل .
• هل اعتبر هذا وعدا قاطعا منك ؟
• بالتأكيد سيادتكم .
   
    أعلن الضبع فجأة و على الملأ و من شاشات الفضائيات الوطنية و القطرية و السعودية و الامريكية توبته النصوح عن فتك الغزلان و الحملان و باقي الحيوانات المسالمة، و بالغ في إظهار آيات التبرؤ و الندم الشديد على أفعاله الشنيعة القديمة. كما راح يدعوا الغزلان و الحملان يوميا الى هيكله و يقدم لهن ألذ ولاىم الحشيش و الورد، و يبدي أقصى الاحترام و الإجلال لمقامهن. ليس هذا فقط، بل و استطاع هداية غالبيتهن الى درب الرب الصحيح القويم، وراح يعدهن بمستقبل مشرق و مزهر لا محال، و بالقناعة كنز لا يفنى، و بالصبر مفتاح الفرج، و بالآخرة الفاخرة بأنهار العسل و المن و السلوى، و بالطاعة لأولي الامر.
      كان ذلك كله يحصل امام ذهول حيوانات الغابة و استغرابها وفي وضح النهار. اما في غياهب الليل كان يتسلل خلسة من هيكله الحجري الى بلاط الليث، و ينتظر الى ان ينغمس في تبادل الغرام مع لبوته، فينهال على الجيف المتبقية من عشاىهم.
       و بعد فترة وجيزة، مات الليث سلطان الغابة لابتلاعه قرن جاموس. اجريت الانتخابات الفشفاشة في ارجاء الغابة كلها، ففاز الضبع بغالبية الأصوات باعتباره صاحب القاىمة الانتخابية المتقية المباركة و بوصية ربانية، و توج حاكما أوحد على الغابة .
     وحالما تبوء الضبع دسة الحكم، حتى جاءته وفود المريدين من كل حدب و صوب، و دبجوا له القصاىد الفريدة، و لحنوا المدائح لنضالاته المديدة، و أرخوا لسيرته الدستورية الحميدة و أخلاقه القويمة الرشيدة، و روائحه الزكية الوطيدة. وكان بين الوفود المبايعة شيخ عشيرة الثعالب، الذي سال الضبع عن سبب اضطرابه و هزالته، فقص عليه الضبع عن وعده القاطع للفيل بعدم الفتك بالغزلان و الحملان. لام الشيخ العجوز الضبع على ضعفه و تهاونه في وضع الأمور في نصابها، و طلبه بوضع حد لتجاوز الفيل على الحقوق التي كفلها الدستور له باعتباره حاكم الغابة. عرض شيخ الثعالب ان يؤخذ هو و عشيرته على عاتقهم مهمة شد وثاق الفيل شدا محكما لا انفكاك له منه، و تركه على تلك الحالة فيموت من الجوع و العطش قضاءا و قدرا، و طلب الشيخ الماكر من الحاكم إصدار الأوامر المشددة لكل الحيوانات بعدم التدخل بشؤون قضاء الرب العادل بخصوص الفيل.
     فرح الضبع بهذه الخطة الذكية الجهنمية، و وعد شيخ الثعالب بجاىزة له و لعشيرته ان هم افلحوا في تنفيذها، كما اصدر أمره بعدم التدخل بشؤون قضاء و قدر الرب العادل المستقل بخصوص الفيل الخارق لدستور الغابة.
      في الليل، اقدم الثعلب العجوز مع أفراد عشيرته على مقر الفيل و طلبوا منه استضافتهم عنده، رحب الفيل بالضيوف احر الترحيب، وقدم لهم الورد هدايا، فردوا عليه بهديتهم: نبيذ الكرز، فرح الفيل بهذه الهدية الفريدة، و بدا يملأ بطنه بها حتى هلكه السكر و نام، عندها شد الثعالب وثاقه باحكام و انسحبوا تحت جنح الظلام.
      في الصباح، صحا الفيل المغلول من سكرته، وراح يصرخ و يستغيث، تقاعست كل الحيوانات عن نجدته امتثالا منهم للأوامر  المشددة للحاكم العادل، الا بغل عنيد، سمع الصراخ الرهيب للفيل فأسرع و فك أسره ، بعد جهد جهيد.
      ما ان استعاد الفيل حريته، حتى قرر الرحيل نهائيا عن تلك الغابة الملعونة، مرة و الى الأبد. ترجاه البغل للتراجع عن قراره المؤلم هذا، قاىلا له :
• كيف يا معالي الفيل الشريف ان تقرر الرحيل عن موطنك الذي ترعرعت فيه و دافعت عن مبادئ الحيوان الشريف طيلة حياتك فيه.
رد الفيل متحسرا على ما آلت اليه الأمور و الدمع ينهمر خيبة و شماتة :
” الا بئس المقام في وطن يتسلم الحكم فيه ضبع نتن حقير، و يتولى الشد فيه ثعلب غادر سكير، و لا يتكفل بالحل فيه الا بغل عنيد غرير.”

 

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *