مذكرات سوري — بقلم : عبد القادر أعمر




بقلم : عبد القادر أعمر

في هذا الوجود وجدنا ، وفي هذه الحياة صرخنا منذ اللحظة الأولى ، إنها صرخة الأجنة ، عشنا أوتار الخيبة والحرمان ، منهكين بثقل مأساتها ، رقصنا على مسامع الرصاص رقصة الخراب بلحن الموسيقار بيتهوفن .

صرختي الأولى في هذا الوجود كطفل ولد ولادة مبكرة في شهره السابع في يوم من أيام الخريف ،هذا الفصل الذي تغنى به الكل وتغزل فيه العشاق وكان رثاء لأمثالي المظلومين ،الذين سعفهم الحظ رغم أنه طل لسنين معدودة بدون رفيق وهاهو يسير أمامي ويقف عاصيا أمام رغبة الموت وإرادة الفناء .

ولدت فاقدا للبصر ، تجرعت ألم السواد منذ وهلتي الاولى ،خلقت بيولوجيا مشوها ، راسما لوحة فاقدة للمعنى والجمال ، عبثا وجدت في رقعة تدعى سوريا ، أرض من تحتها وقود اندلعت نيرانها مع إرادة الشعب العفوية وأصبحنا لاجئين في أرض الله المحتار.

يقال بأن الطفولة هي ربيع الحياة ، وفي حياتي أنا لا ربيع يرى ولا خريف يعاش ولا شتاء ينص جماله بالمطر ولا صيف يحمل بريق الحياة بأشعة الشمس الحارة إلى بحر هادئ .

وفي مرحلة المراهقة يقال بأنها فترة التأقلم مع الواقع والمشاركة مع أفراد المجتمع وتكوين علاقات هادفة لتطوير الذات ،كيف لمكفوف مثلي أن يسير وسط الناس ، يسلم نفسه لقدره ، يجعل منهم صديق وعدو وعشيقة تواسي جرح أو ظلم هذه الحياة ،في مجتمعاتنا العربية يظل المكفوف لعنة وشيطان أخرس ترزق به الأم ، ولوحدها تتحمل نتيجة رغبتها الجنسية أما الاب فهو شرقي سلطوي ، والأنثى تلك الناقصة والمتعجرفة تظل خادمة له ولإبنه .

حرمت من متعة الدراسة واللعب والجري دون خوف من السقوط والقلق من التعثر ، كانت أمي تقول عيناك رائعتين والله أخد بريقها ، إن الله يحب كل ماهو جميل وفي كل مرة أتذكر قول أمي يجول في ذهني سؤال فضولي ، كيف خلقنا الله في هذا الكون بكل هذه الدقة ، خلق البشر بدون عيوب وأنا الوحيد الذي أحب عينيا وأخذها مني وجعلها في الجنة بعيدة عني.

سرعان ما تخليت عن هذا السؤال الفضولي وحلق بعيدا الى سماء لا حدود تحكمها ، علمت ان كل هذا النقص سببه الوراثة أو لأن نموي الطبيعي لم يكتمل ، ولكن حينما كبرت وإكتمل نمائي علمت بإعاقة أبي فهو الاخر فقد ساقيه مع الجيش السوري أثناء تدريب عسكري ، راتبه لا يساوي شيء مع مصاريف الحياة مما دفع أمي إلى العمل في إحدى مصانع الاحذية ، تعمل من الساعة السابعة صباحا إلى السادسة مساءا ، وتعود مسرعة الى عمل أخر ينتظرها في البيت ، لتكون بجانب زوجها المقعد وإبنها المكفوف ، لن تفي الكلمات لوصف الأم التي تظل عاجزة عن إيصال مدى حبي لها ، هي الوحيد التي أرى بها الوجود والوصل الذي يربطني بالحياة ، غيابها يعني التيه ، فشخص مكفوف مثلي أبدا لن يجد حضنا كحضن الأم .

أتذكر أنني حاولت الانتحار وأنا في سن التاسع عشر ، كانت أمي تزاول عملها اليومي وأبي نائم كعادته ، حاولت ممسكا يدي بالتيار الكهربائي لكن لحسن الحظ تدخلت أمي ودفعت بي إلى الأرض ، وبدأت بالصراخ وخلالها فقدت الوعي ، حتى وجدت نفسي في المستوصف الكبير بدمشق ، منذ ذلك الحين وأنا أقاوم فقط من أجل أمي لأنه ببساطة دموعها أغلى من محاولاتي الفاشلة ولا أريد أن أسمع مرة أخرى صراخها ، ذلك الصراخ المحزن الذي يخلف في جفوني الألم والدمار ، وبعدا هذا الحدث بسنة بعدما تناسى الجميع ، توفي أبي ، قيل لي أنه توفي بشكل طبيعي ، لكنه مات منتحرا ، لقد سمعت حديث أمي مع إحدى النساء تقول لها بأنه انتحر بسبب تعاطيه جرعة مخدر زائدة مما أدى إلى هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف مفاجئ للنشاط القلب.

نهاية حزينة لرجل تغنى بالحياة والوفاء والتضحية في سبيل الوطن ، وأظنه انتحر لأنه وصل الى أن الوطن ليس هو ذلك الذي يستحق كل هذا الحب والتضحية ، وما دام الوطن في أيادي اللصوص يجب أن ندفن الوطنية في حاوية الازبال فهو خير مكان لعربي يتغنى بالوطن وعشائه رغيف من خبز وشاي.

أصبح العرب يعلمون من هو المفسد والفاسد وأصبحت الجرأة تسيير على قدميها ، يناصرون الحرية ويدافعون عن الكرامة والعدالة الاجتماعية والكل يصرخ باسم الإسقاط والتغيير وانتقل الامر من شمال إفريقيا الى الشرق الأوسط ، تطورت الأحداث واندلعت الثورة في سوريا ، كانت في البداية سلمية ولأن العدو لن يستخدم سوى القمع للحفاظ على السلطة سقط الكثير من الشهداء وأعتقل الكثير من أبناء الشعب وتم نفي البعض من قادة الثورة ، هكذا عم الخراب والدمار في بلد سوريا ، ولكن رغم ذلك فإن تجربة النضال يجب أن تكون تحت دافع وعي وفكر دون أوامر وانسياق ، الذي لم يحقق لنا سوى الفوضى.

نعم تحققت إرادة الشعب وعم الخراب وأصبحت سوريا معقل الحرب والمعارك الكبرى بين القوى العظمى وتدخلت كل من روسيا الى جانب نظام بشار أو بمعنى اخر الى جانب النفط والولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى في كفة النقيض ببساطة الكل يدافع عن مصالحه ونحن العرب كالدمى أو قد أصفهم بأنهم مجرد مكفوفين يصفقون لرصاص ويطلقون الزغاريد لتنفيذ و الطاعة ، نحن العرب وجدنا لهذه الغاية فقط ، سنظل هكذا حتى يرفع ستار هذا الوجود بقنبلة نووية تكون أجمل هدية لنا.

أصبحت السماء في سوريا تمطر الصواريخ والأرض تنبت القنابل ، أسقطت ألاف من الأطفال وشردت العديد من الآسر وماتت أمي أيضا في ليلة مظلمة كان عنوانها الموت يحوم في أرجاء دمشق ، كانت أمي تعد الطعام فإدا بالأرض تفقد توازنها والمباني تتحرك ، سقط كل شيء وصرخات أمي تتعالى وقول الله أكبر يعم المكان ، كنت الناجي الوحيد في المبنى أما الباقي من السكان سقطوا شهداء أو مفقودين ، لا أعلم كيف نجوت من موت كنت أشتهيه لنفسي ، تمنيت حينها أن أهب ولو القليل من عمري لأمي لأنها قادرة أن تهرب من هذا الجحيم وتصنع لنفسها بدايات أخرى ، أما أنا لا بداية ولا نهاية في هذه الحياة سوى السواد.

في المستشفى العسكري للأمم المتحدة التقيت بالعم أيوب منصور هو الأخر فقد كل أفراد أسرته وخلال النزوح الجماعي كان قريبا مني دائما جعلني أحد أقربائه ، هاجرنا إلى تركيا ومن خلالها عبرنا الحدود الى اليونان وهنا تجربة أخرى سأحكيها بدموع من الأسى والمعاناة وسط انتهاكات من الجيش اليوناني الذي طالما تغنى بحقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

منذ اندلاع الثورة وحرب المصالح ، أصبحنا نتنقل من بلد الى بلد وخرجنا من تركيا متوجهين إلى اليونان ، وصلنا إلى المعبر الحدودي خلال الساعة العاشرة والنصف بعد عشرة أيام من المشي والجوع.

كنا نسير مجموعين وفي المقابل كان معنا الكثير من العرب الذين سمحت لهم الفرصة في هجر أوطانهم عبر استغلال وضعية اللاجئين السوريين ، لتطأ أقدامهم البلدان الأوربية ، رجال ونساء وأطفال سوريا ، تركنا كل شيء ، نبحث فقط عن القليل من السلم والسلام ولكن عند وصولنا الى المعبر صوبت البنادق ووجهت إلينا ، أطلق القليل منها منبهين على عدم مواصلة المشي والوقوف ساكنين ورفع الأيادي إلى السماء ، انقضوا علينا بالضرب من الخلف وأخذت أمتعتنا التي كانت عبارة عن معلبات من الطعام وقارورات الماء والقليل من الملبس وسمعت العم منصور يقول اللهم إنا هذا منكر وعندما يردد هذا القول ينتابني شعور السخط والغضب ، أين الله من كل ما يقع لهاته المخلوقات الضعيفة التي تواجه لوحدها كل هذا الدمار.

تتابع الصرخات والكلمات الساقطة ، رغم أننا لم نفعل شيء ، وفجأة يتعالى صراخ فتاة في وجه الجنود ، ناطقة اللانجليزية ببارعة “نحن بشر ونريد فقط القليل من السلم والأمان وهجرنا وطننا لأننا سئمنا الهلع والخوف “

ويرد عليه شخص اخر بنفس اللغة “أصمتي أيتها الإرهابية المتخلفة كل ما يقع في وطنكم نتيجة مجاهلكم ” وقال كلمة أخرى سيسجل اسمك في قائمة الموتى وبعد هذا التهديد يعم الهدوء ، مرت العديد من الساعات ونحن لا نزال نفرش الأرض ونغطي السماء ومع شروق الشمس تصل طائرة لا أعلم بما تحمل ، الشيء الوحيد الذي تعلمناه من الحرب أننا أصبحنا نميز بين أنواع الطائرات ، إنها طائرة عسكرية ويأتي إذن من صوت هادئ لم أفهم لغته وفهمت قصده عندما أخد جندي يدي إلى السماء وبدأ في التفتيش وسألوني عن أسمي الكامل وقلت له يزيد الجعفري المزداد بسنة 1997 بمدينة دمشق.

فجأة يأخذ خدي صفعة قوتها جعلتني أرى النور وسط الظلام ، وبعدها أسمع صوت إنجليزي متعجرف يقول أنه يحدق بي منذ الصباح ويجيبه العم صبحي ، عذرا سيدي انه شخص ذو إعاقة بصرية ولبشاعته لم يعتذر ، سمعت فقط خطوات إنصرافه ، أخذت على خدي صفعة أخرى من الحياة تقول وجدت مكفوفا وقاومت للبقاء فقط من أجل أمك وهي الأخرى رحلت وتركتك تواجه هذه المخلوقات الشريرة الطبع التي تحقق للذاتها فقط في الشر ، أعلم علم اليقين أنه لو طلب مني أمر الموافقة أو الرفض لهذه الحياة ، كنت حتما سأرفض و أًصرخ ملئ نبضي ” لا حياة ” ، أفضل العدم والجمود بدون احساس ووعي ، والمأساوي أكثر أن هناك احتمال التعويض ، أي تعويض يواسي دموع الفقدان وأي تعويض يواسي احساس الخوف ، هذه الحياة كالمعركة وجدت فيها خاسرا منذ البداية ، مع العاشرة صباحا وصل العديد من الحافلات وبدأ القوم يصرخون ويهللون بالفرح ، والعم صبحي هو الأخر يبكي فرحا ويقول الحمد الله ، وانتقالنا الى المانيا وقاموا بترحيلي الى إحدى المؤسسات الاجتماعية وأصبح كل شيء متوفر ، كتب خاصة ومأكل ومشرب ومبيت رائع لكن هناك شيء يجب أن يقال قبل ساعة الوداع “الحياة تجربة قاسية وعاصفة رعدية تحمل عبرها الكثير من المعاناة والمأساة ، ولدت فاقدا للبصر و فقدت أبي وبعده فقدت أمي ، سيرة وجودي رهينة بالفقدان ، أصبحت الحياة بدون نكهة وأصبح كل شيء فارغ لا يحمل معنى ولا محتوى انساني راقي يجعلك تتشبث بالحياة ، هكذا أدون حروفي الأخيرة وأقول لكل انسان “إذا فقدت نكهة الحياة ووصلت الى خلاصة أن الحياة فخ والاستمرار في الحياة مجرد عبث وحلقة فارغة ، أستعن بأبسط طرق الانتحار ولكل روح سئمت الوجود نلتقي هناك في عالم مليء بالأبطال الذين اختاروا الموت ولم يختارهم أبدا “.




Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *