مقال بعنوان أحلام بسيطة- بقلم الطالب الباحث يوسف البارودي

أنا شاب واضح وليس لديّ ما أخفيه. لدي شيء أودّ أن أقوله هنا والآن قبل أن أصاب بالجنون أو أذوب. إن ثمن تذكرة الطائرة التي أقلتني من مطار شاغلوغوا ببلجيكا، صيف العام الماضي، نحو مطار الحسيمة؛ يعادل 150 درهما مغربية. قبل أن أتخذ قرار العودة كان برفقتي صديق سمع محادثة جرت مع أختي التي تكفلت بشراء التذكرة. لمّا أنهيت المحادثة؛ إلتفت نحوه وبادرني بالسؤال الآتي:

هل أنت واع بما تفعله؟ ثم نظر إليّ باستغراب وأردف: لقد أدهشني إلحاحك على العودة وأخشى عليك أن تندم يوما ما. لمّا كنت في مثل عمرك؛ فعلت المستحيل من أجل أن أهاجر، لكنني فشلت وعاودت المحاولة مرارا إلى أن شاء القدر أن يحملني إلى حيث أعيش الآن. والغريب أن تأشيرتك مازالت صالحة وتسمح لك بالإقامة لبضعة أيام أخرى.. عجيب.

في السّابق؛ كنت أفكر تماما كما يفكر صديقي الذي استغرب من إلحاحي، كنت أتمنى أن أموت أو أهاجر. عانيت؛ شقيت؛ تعذبت ومازلت أتحمل لوحدي انكساراتي اليومية. انقطعت عن الدراسة واشتغلت منظفا لأرضيات المقاهي في آخر الدّوام. ذات مرة؛ صحوت من سكرة جهلي وقررت أن أعود للدارسة. كنت أشتغل نادلا وأحضر للامتحانات. رسبت ثلاثة مرّات في امتحان الحصول على شهادة الباكالوريا، لكنني لم أنبطح للفشل فواصلت بإصرار رهيب. ظللت أشتغل وأحضر للامتحان إلى أن نلت الشهادة وانتشلت نفسي من وحل “الزنقة”، لألتحق طالبا بالجامعة. بعد ثلاث سنوات من الدراسة تحصلت على الإجازة.. ثم بدأت الدراسة في السلك الثالث. واليوم؛ لا أفكر بتاتا في التوقف عن الدراسة إلا إذا توقفت تجاويف قلبي عن النبض.

شردت وأنا أسترجع ذكرياتي الشقية وأيامي المسروقة وأفكر في الندم. كم قررت، كم أصبت، كم أخطأت، كم ندمت. طغى الصمت على جلستنا لبرهة ثم قلت له:

لن أندم.. أنا عائد.

ابتسم ثم قال لي: هل أنت أحمق؟ أمك رحمها الله دفنتها قبل عام، أختاك متزوجتان، ترى من أجل من ستعود؟

لم يكن صديقي يكذب؛ كلّ ما قاله صحيح؛ أمّي ماتت أختاي بعيدتان، ولم يبق لي في هذا البلد سوى أحلام سوريالية وبيت صغير تتسابق في أرجاءه الفئران أزوره أحياناّ لأتفقد حقيبة أمّي وأشياءها القديمة.

وإذا كان لدى صديقي وجميع الذين لم يصدقوا أنني سافرت ولم أهاجر الحق فأنا كذلك لدي حقّ. حقي في السفر وحقي في القرار وحقي في الحلم. إنني عائد من أجل الحلم الذي أربيه في خيالي. وحلمي بسيط جدّا: أحلم أن أرى بلادي يوما ما تضمن حق الحياة وحق العيش لجميع أبناءها.

لأجل ذلك؛ أنا لن أهاجر ولن أندم. .

 

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *