أبركاني: ندرة الماء تفرض إعادة النظر في السياسة الفلاحية بالمغرب

bt18 أبريل 2022آخر تحديث : الإثنين 18 أبريل 2022 - 10:36 صباحًا
bt
.مواضيع متنوعة
أبركاني: ندرة الماء تفرض إعادة النظر في السياسة الفلاحية بالمغرب

kamal aberkani 1 - ناظور بريس NADORPRESS

حوار اجرته هسبربس مع الدكتور كمال ابركاني:

حاوره يوسف لخضر

يواجه المغرب خلال الموسم الفلاحي الحالي جفافا هو الأسوأ منذ نحو أربعين عاما، حيث باتت المخاوف من أزمة ندرة المياه تثير القلق بشكل كبير، تجلت في تراجع مخزون السدود وتضرر الفرشة المائية بشكل بالغ، وهو ما يستلزم اعتماد حلول تجعل الفلاحة متكيفة مع التحديات المطروحة.

وليست هذه المرة الأولى التي يسجل فيها المغرب تأخرا كبيرا في التساقطات وضعفا في المعدل التراكمي، لكن الجفاف المسجل هذه السنة أثر على التزود بماء الشرب في المجال الحضري بعدما كان ضرره في السابق يشمل القرى وسقي المزروعات.

حول هذا الموضوع، حاورنا الدكتور كمال أبركاني، أستاذ التعليم العالي بالكلية متعددة التخصصات بالناظور، التابعة لجامعة محمد الأول، الذي يرى أن ندرة الماء في المغرب تفرض إعادة النظر في السياسة الفلاحية بالمغرب والتوجه لاعتماد التدبير المندمج للحلول.

وقال أبركاني، الذي راكم تجربة وخبرة في المجال الزراعي، أن التكيف مع ندرة المياه يستلزم اعتماد سياسية فلاحية تقوم على البحث العلمي والتقني واستغلال كل ما هو متوفر من التقنيات للحفاظ على كمية وجودة المحاصيل في ظل تداعيات التغير المناخي.

 

ضيفنا حاصل على دبلوم في الهندسة الزراعية ودكتوراه في ميدان البيولوجيا النباتية من جامعة لاڤال بكندا، وهو متخصص في الفيزيولوجيا النباتية والهندسة الزراعية، كما أنه منسق ماستر البيوتكنولوجيا والبيولوجيا النباتية بالكلية متعددة التخصصات بالناظور.

 

هذا نص الحوار:

أصبح المغرب يواجه ندرة مياه غير مسبوقة، إلى أي حد يبدو الأمر مقلقا؟

خلال العقود الأخيرة، انخفض معدل التساقطات في المغرب بشكل ملحوظ، وخاصة في المناطق ذات الإمكانيات الزراعية الكبيرة بالمملكة، وقد تسبب الانخفاض في معدل هطول الأمطار وزيادة استهلاك مياه الشرب في المناطق الحضرية وكذا زيادة الطلب على المياه من طرف القطاع الفلاحي، في تراجع مخزون المياه السطحية والجوفية، كما تسبب أيضا في صعوبات على مستوى تجديد مخزونات المياه.

 

وقد لوحظ منحنى الانخفاض في معدلات هطول الأمطار مع بداية القرن العشرين من قبل المتخصصين في علوم المترولوجيا والهيدرولوجيا، وتشير التوقعات إلى أن هذا المنحنى سينخفض بحلول سنة 2050 في عدة مناطق من العالم، بما في ذلك منطقة شمال غرب إفريقيا، وضمنها المغرب.

 

وفقا لهذه التقديرات، يظل الوضع مقلقا طالما أن احتياطات المياه الجوفية، وقدرة تجديدها عن طريق الأمطار، لا يمكن أن تلبي احتياجات استهلاك مياه الشرب والري.

 

كيف تطورت التساقطات المطرية في المغرب خلال العقود الماضية؟

يتميز المغرب بمناخ شبه جاف إلى جاف، باستثناء المنطقة المحدودة في الشمال الغربي، حيث يسجل هطول الأمطار تباينا كبيرا بين السنوات لكنه يظل منخفضا في المتوسط.

 

ومنذ ما يقرب من قرن من الزمن، شهد المغرب انخفاضا كبيرا في المعدل التراكمي لهطول الأمطار بنسبة 20 في المائة في المتوسط ما بين 1869 و2018، وفقا لعدد من المصادر، ويكون هذا الانخفاض ملحوظا بشكل خاص ما بين دجنبر وفبراير بنسبة ناقص 24 في المائة، مقابل ناقص 14 في المائة لكامل الفترة من أكتوبر إلى مارس.

 

وبالنظر إلى تطور هطول الأمطار على مدى قرن من الزمن، فقد تأكدت بالملموس الطبيعة الجافة للمناخ في المغرب بشكل خاص خلال الأربعين سنة الماضية رغم أن التطور ليس موحدا في جميع المناطق، بحيث يتضح الاتجاه التصاعدي في أيام الجفاف المتتالية في وسط البلاد. في المقابل، شهدت بعض المناطق زيادة في هطول الأمطار كما هو الحال على سواحل البحر الأبيض المتوسط والأطلسي.

 

كيف هي وضعية الموارد المائية المتوفرة للمغرب؟

يمكننا أن نعتبر أن موارد المياه الموجودة هي مياه الأمطار التي تروي التربة والمحاصيل الزراعية بشكل مباشر وتساعد أيضا في تجديد احتياطات المياه السطحية، بما في ذلك الأنهار والسدود والمياه الجوفية، ومنذ سنة 2015 لوحظ أن انخفاض هطول الأمطار قلل من القدرة على تجديد وتخزين موارد المياه السطحية والجوفية، كما لوحظ خلال الموسم الحالي (2021-2022) أن معدل ملء السدود كان منخفضا بسبب قلة التساقطات المطرية في الخريف والشتاء وأيضا بسبب زيادة الطلب على مياه الري في الفلاحة ومياه الشرب من المناطق الحضرية، ويرجع ضعف قدرة التجديد إلى انخفاض الأمطار في السنوات السابقة وقدرات التخزين المنخفضة.

 

من ناحية أخرى، يتميز المغرب بتوزيع غير متكافئ لموارد المياه السطحية، حيث نجد أن الأحواض الشمالية (سبو، لوكوس، طنجة وساحل البحر الأبيض المتوسط) التي تغطي 7,4 في المائة من مساحة البلاد، تنتج 51 في المائة من موارد المياه في المغرب التي تقدر بحوالي 18 مليار متر مكعب، وتتفاوت تبعا للسنة من 5 مليارات متر مكعب إلى 50 مليار متر مكعب، وهو ما ينتج تباينا كبيرا للغاية يؤثر على موارد المياه الجوفية، ينضاف إليه تعاقب سنوات الجفاف.

خلال العقود القليلة الماضية، شهد مستوى عمق معظم طبقات المياه الجوفية في البلاد انخفاضا حادا بسبب الاستغلال المفرط للمياه والجفاف المستمر، حيث بلغ الانخفاض ما بين 20 و60 مترا في بعض الطبقات. وعلى المستوى الوطني، هناك حوالي عشرين طبقة مياه جوفية مستغلة بشكل مفرط بحوالي مليار متر مكعب يتم أخذها من موارد مائية غير متجددة.

 

مقابل ضعف التساقطات المطرية وتراجع المخزون، هناك ارتفاع مقلق في درجة الحرارة

 

فيما يتعلق بمسألة الزيادة في متوسط درجة الحرارة خلال القرن الماضي، فإن هذا ليس له تأثير على الفلاحة أخذا بعين الاعتبار أن درجة الحرارة هي عامل أقل تقييدا وخطرا مقارنة بندرة المياه.

 

في المقابل، فإن هذه الزيادة في متوسط درجة الحرارة في المغرب تبقى مقلقة وسيكون لها تأثير أكبر على التوازنات المترولوجية، وهذه الزيادة ليست ملحوظة فقط في المغرب لكنها مسجلة في أماكن عدة من العالم. وبلغة الأرقام، شهد المغرب خلال القرن العشرين زيادة في متوسط درجة الحرارة السنوية بحوالي 1,5 درجة مئوية.

 

وكان الاحترار الذي لوحظ في جميع أنحاء البلاد أكثر حدة خلال العقود الثلاثة الماضية بزيادة 0,42 درجة مئوية في العقد كمتوسط منذ سنة 1990، وهي قيمة أعلى من المتوسط المسجل في جميع القارات الذي كان في حدود 0,14 درجة مئوية.

 

يعتمد اقتصاد المغرب على الفلاحة بصفة أساسية، وبما أن الجفاف أصبح واقعا، كيف يمكن مواجهة الأمر؟

يعتبر القطاع الفلاحي في المغرب بمثابة محرك للاقتصاد الوطني، وتهدف السياسة الفلاحية المعتمدة منذ سنة 2008 في إطار مخطط “المغرب الأخضر” ومخطط “الجيل الأخضر” الجديد إلى تعزيز الإنتاج الزراعي الوطني وزيادة الناتج المجلي الإجمالي وخلق فرص عمل جديدة وزيادة الصادرات، ويبقى الانخفاض في معدلات هطول الأمطار في السنوات الأخيرة تحديا كبيرا تواجهه الفلاحة المغربية، وهو ما يستدعي تكييف السياسة الوطنية في هذا القطاع من خلال تنفيذ استراتيجية فعالة لتدبير المياه ذات أهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل على أساس أن تشارك فيها كل الجهات الفاعلة، سواء العامة أو الخاصة، من أجل التكيف مع الوضع في العقود القادمة.

 

يجب أن يتم في إطار هذه الاستراتيجية الاعتماد على البحث العلمي وتحويل التكنولوجيا والدراسات الماكرو والميكرو-اقتصادية وحتى الدراسات الاجتماعية والاقتصادية. ويعتبر تكييف التدبير المندمج للحلول (التحسين الوراثي للنباتات، التقنيات الرقمية، نظام تحلية مياه البحر، إدارة مواعيد البذر واختيار الأصناف المتكيفة مع الجفاف…) حلا شاملا أفضل من اعتماد حل واحد أو تكنولوجيا واحدة.

 

كما تعتبر سياسة تقسيم المناطق الزراعية حلا مهما بهدف تقليل إنتاج بعض المحاصيل التي تتطلب الكثير من المياه في المناطق التي تكون فيها المياه منخفضة.

 

أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يتم تعميق الدراسات السوسيو-اقتصادية وإدارة جدوى المحاصيل حسب المنطقة وتطبيقها وفقا للقيمة الاجتماعية والاقتصادية لهذا الإنتاج، لأنه لا جدوى من إنتاج فلاحي بربح صاف منخفض للمنتج ويستهلك الكثير من المياه، لذلك يجب أن نراجع هذا الأمر وأن نقدم للفلاحين محاصيل بديلة ذات قيمة مضافة كبيرة. وفي هذا الصدد، يظل قطاع النباتات الطبية والصيدلانية والعطرية والتجميلية بديلا جيدا، وقد كان ضمن اهتمامات مخطط المغرب الأخضر.

kamal aberkani 2 - ناظور بريس NADORPRESS

أرى أنه من الضرورة تنفيذ هذا النوع من الإنتاج بتنسيق مع القطاع الصناعي وتحسين هندسة العمليات لاستخراج الجزئيات الحيوية ذات القيمة المضافة العالية والفوائد الكبيرة للمُنتج، خصوصا أن المغرب لديه موارد كبيرة وتنوع بيولوجي مهم من النباتات، ولذلك يجب تعزيز الجهود فيما يخص تقنيات الاستخراج والتثمين الصناعي وتطوير قطاع التصدير في هذا المجال. بالإضافة إلى هذا، توجد بدائل أخرى يمكن اعتمادها لمواجهة النقص في المياه.

إلى أي حد يمكن للتحسين الوراثي للنباتات أن يساهم في رفع الإنتاج رغم الظروف المناخية الصعبة؟

يمثل اختيار الأصناف التي تتحمل الجفاف أحد البدائل الجيدة للتعامل مع ندرة المياه، بحيث لا ينبغي أن تتمتع هذه النباتات بالقدرة فقط على تحمل الجفاف، بل أيضا بالقدرة على إنتاج محصول يمكن حصاده رغم الظروف الصعبة.

إن البحث في الجوانب الجزئية لتحمل الجفاف هو موضوع العديد من الدراسات العلمية، حيث تركز هذه الجهود على دراسة آليات تكيف المحاصيل، إذ نجد أن الفهم الجيد لتكيف النباتات مع الضغوط اللاأحيائية (stress abiotiques) المرتبطة بتغير المناخ من شأنه أن يوفر أدوات إضافية لتطوير أصناف تتكيف بشكل جيد مع الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة والإجهاد المائي.

إن تحمل الجفاف يبقى صفة كمية لها نمط ظاهري معقد وتحكم جيني، ويعد فهم الأساس الجيني للجفاف والإجهاد المائي وتحمل الحرارة لدى النباتات شرطا أساسيا لتطوير أنماط جينية فائقة بفضل الاختيار التقليدي (la sélection conventionnelle). بالإضافة إلى ذلك، فإن النباتات غالبا ما تكون قادرة على التهرب من الجفاف.

ويعتبر التحسين الوراثي للنباتات وسيلة جيدة لمقاومة الإجهاد المائي، وحتى الحفاظ على معدل الإنتاج وجودته على الرغم من الجفاف. في المغرب توجد أصناف عدة تتحمل الجفاف لكن المشكل يكمن في أن بعض هذه الأصناف لا تحظى بالتقدير في السوق وتواجه المنافسة من الأصناف الأخرى التي تستهلك الكثير من المياه لكنها تباع أكثر.

في الواقع نجد أن الشركات التي تسوق البذور في المغرب، والتي تكون هجينة مستوردة بشكل عام، لا تأخذ بعين الاعتبار معيار تحمل الجفاف، بحيث يتم التركيز على معايير المحصول والجودة واللون والنكهة في تسويقها.

أرى أن السياسة الزراعية المغربية يجب أن تركز على اختيار الأصناف المقاومة للجفاف لكل محصول يتم إنتاجه، لأن الدراسات أظهرت أن بعض الأصناف التي تتحمل الجفاف يمكن أن تقاوم بنسبة تصل إلى 70 في المائة من حيث تقليل المياه.

يجب على السياسة الزراعية أن تعمل أيضا على زيادة الوعي حول الأصناف المقاومة للجفاف، وعلى حد علمي هناك بنك جيني كامل للأصناف المغربية يجب تحسينها وزيادة مقاومتها للجفاف، كما يجب تشجيع البحث العلمي والتطوير بتعاون وثيق بين المؤسسات البحثية وشركات تسويق البذور والمنتجين لإدراج حل الأصناف المقاومة للجفاف ضمن مسارات التدبير المتكامل للمياه.

من جهة أخرى، وبالنسبة للحبوب، يلاحظ أن المنتجين يزرعون بشكل عام في أكتوبر ونونبر حين يكون هطول الأمطار غير مناسب للإنبات والنمو، لكن بدلا من الحصول على دورة إنتاج أطول مع دورات الشتاء الباردة والجفاف من الأفضل زراعة أصناف ذات دورة قصيرة في الربيع.

خلال الموسم الحالي لاحظنا أن هطول الأمطار بدأ في شهر مارس حيث تكون درجات الحرارة مواتية للنمو، لذلك يظل اختيار أنواع الحبوب ذات الفترة الضوئية الأطول ودورة الإنتاج الأطول أو أصناف الخريف بديلا جيدا، ويبقى التحسين الوراثي للحبوب نهجا جيدا يجب اتباعه.

ما هي الحلول التكنولوجية الأخرى التي يجب على المغرب اعتمادها من أجل زراعة متكيفة ومتأقلمة مع التغيرات المناخية؟

في الواقع يظل التحسين الجيني الذي ذكرناه في السؤال السابق مسارا تكنولوجيا جيدا، وللإجابة على سؤالكم، سنركز على استخدام التكنولوجيا الرقمية في الزراعة، أو كما تسمى الزراعة الرقمية، وفي هذا الصدد تجب الإشارة إلى أن العديد من تقنيات الري تم تطويرها من أجل تحسين استخدام وإنتاج المياه باستخدام الري بالتنقيط أو الري الصغير كأداة لتوفير المياه والمغذيات للمحاصيل.

ومع ذلك، فإن معظم المزارعين يقومون بالري وفق انطباعاتهم بغض النظر عن الاستجابة الفيزيولوجية الفعلية (la réponse physiologique réelle) للمحاصيل، لذلك من بين الأسئلة التي تبرز في هذا الصدد: هل هناك عملية شاملة لتقدير الكمية الحقيقية اللازمة من مياه الري؟ ومتى يجب على المزارعين ري محاصيلهم؟

في الآونة الأخيرة، شهدت الزراعة سلسلة من الثورات الرقمية حققت كفاءة إنتاج مهمة بفضل ممارسات ذكية ودقيقة باستعمال طائرات بدون طيار وأجهزة الاستشعار الرقمية والتطبيقات الهاتفية وصور الأقمار الصناعية ومحطات الطقس التي تجمع بين التكنولوجيا الرقمية والفلاحة وتقدم حلولا للمشاكل الفلاحية، خاصة المتعلقة بالجفاف وتدبير مياه الري.

وتُتيح البيانات المختلفة التي يتم جمعها إما باستخدام أجهزة الاستشعار الرقمية أو التطبيقات الهاتفية أو صور الأقمار الصناعية، القيام بقراءات عن حالة المياه والنباتات والتربة بطريقة فورية،

وهو ما يساعد على اتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير الري واعتماد استراتيجية ذكية للمزارعين لتوفير المياه وخفض تكاليف الإنتاج وزيادة المحصول، أو على الأقل الحفاظ على المحصول نفسه.

إن هذه التقنيات الرقمية تتطلب تكوينا وتدريبا لفائدة المزارعين، ولذلك ينبغي لسياسة الدولة المغربية أن ترفع الوعي لدى المنتجين حول فائدة استخدام هذه التقنيات الرقمية لقراءة جيدة للحالة المائية للتربة ونباتها.

هل يمكن لحل تحلية مياه البحر أن يخفف من وطأة ضعف التساقطات المطرية؟

تعد تقنية التحلية، خاصة من خلال عملية التناضح العكسي (Osmose inverse)، أي انتقال الجزيئات من المحلول الأكثر تركيزا إلى المحلول الأقل تركيزا عن طريق الضغط، تقنية مبتكرة لتقليل مستوى الأملاح في الماء، وقد أثبتت هذه التقنية نجاحا وهي بذلك بديل جيد.

يمكن أن يؤثر عاملان على كفاءة استخدام هذه التكنولوجيا لمعالجة نقص المياه في بلادنا؛ أولا تظل هذه التكنولوجيا باهظة الثمن، وتختلف هذه التكلفة بالنسبة للمتر المكعب الواحد وفقا لمستوى الملح في الماء وأيضا وفقا لتدفق المياه في الساعة.

العامل الثاني يتمثل في كمية المياه المستخدمة في الزراعة، التي تبقى ضخمة مقارنة بقدرة تحلية مياه البحر، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن للمياه المتجددة عن طريق تقنية التناضح العسكي أن تسد النقص المسجل في المياه الموجهة للقطاع الفلاحي؟ لذلك يمكننا القول، إذا كانت تحلية الماء مخصصة للشرب فذلك ممكن، لكنه يعتمد أيضا على الكثافة السكانية وكلفة العائد على الاستثمار. يمكنني القول إن التحلية ستساعد لكنها لا تستطيع تلبية جميع الاحتياجات.

تظل التكنولوجيا مُهمة طالما أن سعر هذه المياه هو نفسه سعر شراء متر مكعب من المياه لدى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. وبالنسبة للفلاحة، أعتقد أن تحلية المياه يمكن أن تساعد في التخفيف من ندرة المياه لكنها لن تكون قادرة على حل المشكلة. وإذا كان للإنتاج قيمة مضافة كبيرة ويستحق تخزين المياه في أحواض صغيرة لخلطها مع مياه السدود، فذلك ممكن، لكنه سيعتمد دائما على الكلفة.

يجب أن تكون السياسة الفلاحية موجهة نحو إنشاء تجمعات بين العديد من المزارعين للاستثمار في هذه التقنيات ودعم جزء من تكاليف شرائها وصيانتها، ويمكنني القول إن هذه التكنولوجيا هي بديل وجزء من الحلول، طالما أن تكلفة إنتاج المياه عن طريق التحلية مربحة وستظل مثيرة للاهتمام. وبالإضافة إلى ذلك هناك سؤال يطرح نفسه حول مصير المنتجات الثانوية بعد عملية التحلية، وهي أسئلة بيئية يمكن أن تطرح في هذا الصدد.

ختاما، أؤكد على ضرورة دمج كل هذه الحلول والحلول الأخرى غير المذكورة (مثل معالجة المياه العادمة، واستخدام الكائنات الحية الدقيقة لترطيب التربة الزراعية لزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، واستخدام الزراعة المائية في المباني لتكثيف الإنتاج، وإعادة تدوير مياه الري والصرف)، ومن هنا تبرز الضرورة لاعتماد خطة تدبير المياه (Water Management Plan) ذات فعالية وتستحضر البحث العلمي التطبيقي.

 

الاخبار العاجلة