الإعاقة.. آلام نفسية وآمال في تجاوز الرهانات والتحديات. مقاربة سيكولوجية

bt23 فبراير 2020Last Update :
الإعاقة.. آلام نفسية وآمال في تجاوز الرهانات والتحديات. مقاربة سيكولوجية

 

الكاتب: أحمد مماح، علم النفس الإكلينيكي.

إن أية كلمة قد تحمل ورائها ألما نفسيا، وما أشده في كلمة “الإعاقة”، كلمة “المعاق”… من جهة فإن سيكولوجية الإعاقة هي سيكولوجية للألم من الدرجة الأولى، حيث يحتضن الأخصائي النفساني آلام الفرد ذي إعاقة وآلام أسرته. ومن جهة أخرى هناك انشغالات مفاهيمية متواصلة حول كلمة الإعاقة، التي تارة تجدها تحيل لأفرادها بالمعاقين، تارة أخرى بذوي الإعاقة، وتارة بالمعوزين، وتارة بذوي الاحتياجات الخاصة… إنها مواصلة مفاهيمة تحيل ضمنيا إلى محاولة لتخفيف الألم عن هؤلاء الأفراد، إلا أن الألم لا يزال باقيا ومستمرا. لذلك، قلنا بكلمة الألم كي نختزل فيها معاناة نفسية أو اضطرابات نفسية مصاحبة للإعاقات بمختلف أنواعها وأصنافها أو آلام جسدية ناتجة عما هو اختلال عضوي في مختلف الإعاقات أيضا.

ولكن نتحدث عن رهانات وتحديات، يمكن أن نأخذ الإعاقة الحركية كنموذج، إذ تمثل هذه الأخيرة حسب إحصائيات البحث الوطني المغربي للإعاقة (2004) النسبة الأكبر (51.9%) من مجموع الإعاقات الأخرى، نظرا لعدة أسباب سياقية، اجتماعية، وراثية، نفسية.. ويعرف المعاق حركيا أنه الفرد الذي يعاني من فقدان أو خلل، أو عاهة ،أو مرض أصاب أعضائه أو عضوا منها أو جزءا منه بطريقة تحد من الاشتغال العضوي العادي، مما يؤدي إلى الحد من نشاطه الحيوي.

الشيء الذي يؤثر على صحته البدنية والنفسية، وعلى نسقه العلائقي الضيق (العلاقة مع الذات، الأسرة)، والواسع (المجتمع، المدرسة..) الأمر الذي يطرح إشكالية ولوجية هذا الفرد وإدماجه للاستفادة من حقه في التعليم، الصحة، والعمل. إنها إشكالية رهانات وتحديات من قبيل مفاهيم معينة، كالإنصاف والمساواة.

قبل الخوض في غمار هذه المفاهيم السعيدة (الإنصاف، المساواة…) يحتاج القارئ أن يعرف بعض خصائص الإعاقة الحركية. وللإشارة فإننا قلنا باخصائصها وليس أعراضها لأنه من الصعب الحديث عن أعراض للإعاقة الحركية لأنها ليست واحدة بل متعددة وتختلف من فرد لأخر ومن عضو لأخر داخل نفس الفرد. لذلك، يمكن الحديث عن مجموعة من الخصائص التي تميز الإعاقة الحركية بمختلف أنواعها، والتي سنمر عليها باختصار شديد. إننا أمام خصائص تعليمية بحيث لا يتعلمون بسهولة، خصائص مهنية حيث لا يستطيعون الالتحاق بأي عمل يمكن أن يلتحق به الفرد العادي،خصائص اجتماعية تتمثل في حرمانهم الاجتماعي مما يعيق قدرتهم على الانضمام للأنشطة والتفاعلات الاجتماعية، خصائص عصبية وفيها يمكن أن نتحدث عن تلف لبعض المناطق المسؤولة عن الحركة في الدماغ، خصائص جسدية تتمثل في صعوبات في الوقوف والجلوس والمشي والتحكم في عضو واحد أو أعضاء متعددة،وأخيرا هناك خصائص نفسية حيث الحديث عنها مهم جدا باعتبارها منبع الألم ومصب الموضوع المطروح، ومن ثم فإن المعاق حركيا يعاني بلغة الموجة الثالثة في العلاجات السلوكية المعرفية من “الصلابة الفسية Régidité Psychologique”، هذه الأخيرة تتحدد بستة أبعاد أساسية (اللحظة الراهنة، التقبل، القيم، الالتحام المعرفي، الذات كسياق، الانخراط في الفعل)، هذه الأبعاد يجد ذوي الإعاقة الحركية نقصا على مستواها. فعلى مستوى البعد اللحظة الراهنة من الصعب جدا على المعاق حركيا داخل المجتمع المغربي أن يعيش لحظته لأنه يعبر دائما عن قلق متعلق بمستقبله. أما فيما يخص جاتب التقبل، فإن هذه الفئة لا يتقبلون إعاقاتهم وغالبا ما يحسون بالنقص حين يقارنون ذواتهم وأجسادهم بالأشخاص العاديين. وفيما يتعلق بالقيم يجد المعاق حركيا أن صعوبة في تبني قيم وأهداف في الحياة، فبالفعل كيف لي أن أبني أهدافا وأنا أفتقر حتى لشروط العيش في اللحظة الآنية بكل سعادة. وأخيرا، الانخراط في الفعل أمر مطروح يجد فيه المعاق حركيا صعوبات ترجمناها في تلك الخصائص السالفة الذكر.

يدخل كل هذا في إطار مسمى واحد وهو المعاناة النفسية، حيث يعاني الفرد ويتألم في كل جوانبه النفسية. لهذا فإن جميع هذه الخصائص وغيرها يجب أن تُأخَذ بعين الاعتبار عند تصميم البرامج التربوية والتعليمية الخاصة بهم، وعند رسم الخطط للتعامُل مع مشكلاتهم وتأهيلهم، ومن ثم تحقيق ولوجيتهم من خلال الانصاف والمساواة. فكيف ذلك ؟
المفاهيم كالإنصاف والمساواة، هي مفاهيم فلسفية، سيكولوجية، وقانونية.. والبعد القانون لهذه المفاهيم هو أكثر أهمية لأنه بعد إذا تم إنزاله وتطبيقه واقعيا، فإننا قد نتجاوز تحديات كثيرة، ونتجاوز آلاما نفسية عميقة. إذ هناك قوانين التي تسنها الدولة لذوي الإعاقة الحركية، فهم يتمتعون بكافة أشكال الانصاف والمساواة يظهر من خلال تلك القوانين، التي يمكن الحديث عنها في ثلاث مستويات، أولها التعليم، ثانيها الصحة، وثالثها التشغيل. فيم يتعلق بالتعليم هناك مواد قانونية تسن حق المعاقين في التعليم، حيث عملت على تربية خاصة (تعليم المعاقين في أماكن خاصة)، ثم تربية إدماجية (تعليم المعاقين في أقسام خاصة داخل فضاءات التعليم)، وصولا إلى التربية الدامجة (دمج المعاقين مع الأطفال العاديين في نفس الأقسام). على مستوى الصحة هناك مادتين أساسيتين، الأولى تقول بضمان الولوج والاستفادة من خدمات التأمين الصحي (المادة 4)، والثانية تقول بتوفير رعاية وخدمات صحية مجانية لذوي الإعاقات المختلفة (المادة 8). أما على مستوى التشغيل تقول المادة 16 يتوفير التشغيل والتكوين المهني والمناصب المهنية للمعاقين.

لا تزال هذه المواد القانونية التي تقول بانصاف ومساواة المعاق مثل سحابة تمر في السماء ولكنها لاتمطر، ولا يتحقق منها إلا نسبا ضئيلة جدا، بل حتى أبسط الأشياء المحققة في دول أخرى كتوفير وسائل نقل وممرات سير خاصة للمعاقين غير متوفر. كما أن الحديث عن الإعاقة سيظل حديثا مؤلما مادامنا، حديثا لايمطر، ما دمنا لم نصل إلى نقلة نوعية من المقاربة الإحسانية إلى المقاربة الحقوقية والولوجية، بمعنى الانتقال من النظر إلى المعاق باعتباره محتاجا للعمل الخيري إلى اعتباره فردا مختلفا له يتمتع بكافة الحقوق وله خصوصياته الصحية، التعليمية والعملية، آنه ستستغل سيكولوجية الإعاقة وكل العاملين في هذا المجال بكل حرية وتتوفر لها كل شروط الاشتغال من تشخيص وتقييم وتدخل ومرافقة سيكولوجية وتربوية.  

 

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Breaking News