صوتك ليس رقما… بل شهادة وأمانة في عنقك

bt32 دقيقة agoLast Update :
صوتك ليس رقما… بل شهادة وأمانة في عنقك

 

 

بقلم : ذ المصطفى لمعشي

مواطن يؤمن بأن الانتخابات مسؤولية قبل أن تكون منافسة

في كل موسم انتخابي، ترتفع الشعارات، وتكثر الوعود، وتتحرك الحملات، وتظهر الوجوه في كل مكان. وفي خضم هذا المشهد، قد ينسى المواطن أهم حقيقة: أن صوته ليس مجرد رقم يضاف إلى صندوق، وليس مجاملة لشخص، ولا مكافأة لصديق، ولا ردّاً للجميل، وإنما هو اختيار لمن سيحمل جزءاً من مسؤولية تدبير الشأن العام والدفاع عن مصالح المواطنين.

ومن هنا، فإن المشاركة في الانتخابات ينبغي ألا تكون مجرد ممارسة موسمية، بل لحظة تأمل ومحاسبة ووعي.

فالمواطن الذي يدخل إلى معزل التصويت لا يختار شخصاً فقط، وإنما يساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تحديد من سيمثله، ومن سيترافع عن قضاياه، ومن سيشارك في التشريع وصناعة القرار، ومن سيحمل صوت الإقليم إلى المؤسسات المنتخبة.

بين العمل الخيري والمسؤولية السياسية :

من الأخطاء التي ينبغي أن نتجاوزها الخلط بين العمل الخيري الفردي وبين المسؤولية السياسية والتمثيلية.

فمن يساعد فقيراً، أو يتكفل بمريض،أو يقدم مساعدة اجتماعية، فله أجر عمله عند الله، وهذا باب عظيم من أبواب الخير، ولا ينبغي التقليل منه أو إنكاره.

لكن العمل الخيري، مهما كان نبيلاً، لا يعفي المواطن من أن يسأل المرشح عن أدائه في الشأن العام.

فالذي يترشح لتمثيل المواطنين لا يُقاس فقط بما يقدمه من مساعدات فردية، وإنما يُقاس أيضاً بما قدمه من مرافعة وتشريع ودفاع عن مصالح المواطنين، وجلب للمشاريع، وحضور في المؤسسات، ومتابعة للملفات، وقدرة على إيصال صوت المنطقة إلى الجهات المسؤولة.

هناك فرق كبير بين أن تساعد فرداً في حاجة خاصة، وبين أن تعمل على جلب مشروع يستفيد منه آلاف المواطنين.

بين الواجب والاجتهاد :

وهنا يجب أن نفرق أيضاً بين الواجب والاجتهاد.

فمثلاً، إذا كانت الدولة أو الجماعة أو الجهة المعنية مسؤولة عن بناء مرفق صحي، فإن إنجاز المستشفى يدخل في إطار الواجب المؤسساتي، ولا ينبغي أن يتحول كل إنجاز يدخل في صميم الاختصاصات والمسؤوليات إلى منّة على المواطن.

أما إذا استطاع مسؤول أو منتخب أن يجلب مشروعاً إضافياً للإقليم، أو يفتح ملفاً تنموياً كان متعثراً، أو ينجح في استقطاب استثمار أو مؤسسة أو برنامج لفائدة المنطقة، فهنا نتحدث عن اجتهاد وإضافة تحسب له.

والوعي السياسي الحقيقي هو أن يعرف المواطن الفرق بين من أدى واجبه، ومن اجتهد وأضاف شيئاً فوق واجبه.

فليس كل ما يُقدم في موسم الانتخابات إنجازاً استثنائياً، وليس كل ما يقال في الحملات الانتخابية حقيقة ثابتة.

إقليم الدريوش… الذاكرة لا ينبغي أن تموت

وفي إقليم الدريوش، الذي عانى لسنوات من تحديات تنموية واجتماعية متعددة، ينبغي للمواطن أن يستحضر الذاكرة وألا يبدأ الحساب من الصفر مع كل انتخابات.

لقد عرف الإقليم، في فترات سابقة، من كان يظهر بقوة وشهامة داخل قبة البرلمان، ويدافع عن قضايا المنطقة، ويرفع صوت المواطنين، ويعتبر تمثيل الإقليم مسؤولية وشرفاً.

وفي المقابل، عرف المواطن أيضاً نماذج أخرى لا يظهر أصحابها إلا عندما تقترب الانتخابات، فتتحول المنطقة إلى فضاء للحملات والوعود والزيارات، وكأن المواطن لا قيمة له إلا باعتباره صوتاً انتخابياً.

وهنا يجب أن نطرح السؤال بوضوح:

من كان حاضراً عندما لم تكن هناك صناديق اقتراع؟

من كان يترافع عن الإقليم عندما لم تكن هناك حملة انتخابية؟

من كان يطرق أبواب المؤسسات دفاعاً عن مصالح المواطنين؟

ومن لا يتذكر المواطن إلا عندما يحتاج إلى صوته؟

هذه الأسئلة ليست للتشهير بأحد، وإنما هي أسئلة مشروعة في مجتمع يريد أن ينتقل من منطق التصويت العاطفي إلى منطق المحاسبة الديمقراطية.

لا تصوّت للوجه… اقرأ التاريخ

من أهم المعايير التي يجب أن يعتمدها المواطن في اختياره تاريخ المرشح.

فالمرشح لا ينبغي أن يبدأ سيرته السياسية يوم إعلان ترشحه، وإنما يجب أن يُنظر إلى مساره كاملاً: مواقفه، حضوره، مرافعاته، التزاماته، وعوده، ما أنجزه وما لم ينجزه.

فمن شرف المنطقة في مواقع المسؤولية، ودافع عنها، وكان صوته مسموعاً في المؤسسات، يستحق أن يُسأل عن تجربته ويُقيّم على أساسها.

ومن كانت له مواقف أو ممارسات تسيء إلى الثقة العامة، فيجب ألا تمحوها صورة انتخابية جميلة أو خطاب مؤثر.

التاريخ لا يُمحى بصورة انتخابية، والسمعة العامة لا تُبنى في أسابيع قليلة.

والإنصاف يقتضي كذلك ألا نظلم أحداً بسبب إشاعة أو خصومة شخصية؛ فالمحاسبة يجب أن تكون على أساس الوقائع والأداء والمواقف المعلنة، لا على أساس القيل والقال.

لا تجعل الدين شعاراً انتخابياً… واجعل الأمانة معياراً

ومن منظورنا الديني والأخلاقي، فإن الاختيار مسؤولية، والأمانة ليست كلمة تُقال في الخطب فقط.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.

وقال سبحانه:

﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.

والتصويت ليس شهادة قضائية بالمعنى الفقهي الدقيق، لكن فيه معنى الأمانة والاختيار وتحمل المسؤولية؛ ولذلك لا ينبغي للمواطن أن يمنح صوته لشخص لمجرد القرابة أو الصداقة أو المصلحة الشخصية أو الحماس الحزبي.

إذا كنت تعرف أن هذا الشخص أصلح لتمثيل منطقتك، فصوّت له.

وإذا كنت ترى أن غيره أكثر قدرة على الدفاع عن المصلحة العامة، فلا تجعل الولاء الأعمى يمنعك من اختيار من تراه أصلح.

لا لمنطق القطيع

المشكلة ليست أن نختلف في الاختيارات؛ فالاختلاف السياسي أمر طبيعي.

المشكلة أن يصوت الإنسان لأنه وجد الجميع يصوتون في الاتجاه نفسه.

لا تقل: سأصوت حيث يصوت الناس.

ولا تقل: سأصوت لأن عائلتي اختارت.

ولا تقل: سأصوت لأن هذا الشخص أعرفه.

ولا تقل: سأصوت لأنني استفدت منه شخصياً.

بل اسأل:

هل هو فعلاً قادر على تمثيلي؟

هل له موقف واضح؟

هل دافع عن المنطقة؟

هل له رصيد حقيقي؟

هل يحترم المواطن بعد الانتخابات كما يحترمه قبلها؟

وهل أستطيع أن أضع يدي على ضميري وأقول إنني اخترته لمصلحة الإقليم؟

يا شباب الدريوش… أنتم أصحاب القرار

إلى شباب إقليم الدريوش تحديداً:

لا تتركوا مستقبل منطقتكم لمن يختار بالنيابة عنكم.

لا تسمحوا للحماس أن يعطل عقولكم، ولا للمصالح الصغيرة أن تحجب عنكم المصلحة الكبرى.

اقرؤوا تاريخ المرشحين، تابعوا مواقفهم، شاهدوا مرافعاتهم، اسألوا عن إنجازاتهم، وقارنوا بين من كان حاضراً دائماً ومن لا يظهر إلا في المواسم الانتخابية.

إن الإقليم لا يحتاج فقط إلى من يفوز في الانتخابات، بل يحتاج إلى من يعرف كيف يمثله بعد الفوز.

يحتاج إلى من يعتبر المقعد مسؤولية، لا امتيازاً.

يحتاج إلى من يعتبر المواطن شريكاً، لا مجرد صوت.

ويحتاج إلى من يدخل المؤسسات حاملاً هموم الناس، لا حاملاً مصالحه الشخصية.

وعندما تدخل المعزل… تذكر شيئاً واحداً

عندما تدخل إلى معزل التصويت، لن يكون بجانبك أحد.

لن يكون معك صديقك.

لن يكون معك قريبك.

لن تكون معك الحملة الانتخابية.

لن يكون معك من طلب منك التصويت لهذا الشخص أو ذاك.

ستكون وحدك… أمام ضميرك، وأمام مسؤوليتك، وأمام الله الذي يعلم السر وأخفى.

هناك لا يوجد منطق القطيع.

هناك لا توجد المجاملة.

هناك لا تنفع الشعارات.

هناك فقط اختيارك أنت.

فاستمع إلى ضميرك، وابحث عن الأصلح، واختر من تراه قادراً على الترافع عن الإقليم والدفاع عن مصالح مواطنيه وتشريف المنطقة في المؤسسات.

لا تمنح صوتك لمن يطلبه فقط… امنحه لمن يستحقه.

وفي النهاية، قد نختلف في الأسماء والأحزاب والاختيارات، لكن ينبغي ألا نختلف على شيء واحد:

أن إقليم الدريوش يستحق تمثيلاً يليق به، وأن المواطن يستحق من يحترم صوته قبل الانتخابات وبعدها، وأن المستقبل لا يصنعه التصفيق، وإنما يصنعه الوعي والاختيار المسؤول.

يا شباب الدريوش، شاركوا بكثافة، وصوّتوا بوعي، واختاروا من ترونه أصلح للترافع عن إقليمكم وتشريفه.

فعندما تغلق باب المعزل الانتخابي خلفك، لا يراك أحد… إلا الله.

فاسمع لضميرك، ولا تسمع لمنطق القطيع.

صوتك أمانة… فلا تجعله سبباً في صناعة واقع تندم عليه غداً

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Breaking News