ناظوربريس
أكد الدكتور ندير البوبكاري، أستاذ الاقتصاد الجهوي والمنسق البيداغوجي لماستر الاقتصاد التطبيقي والنمذجة، خلال استضافته في برنامج «مغرب التنمية» على قناة ميدي 1 تيفي، أن مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط يندرج في إطار رؤية تنموية شاملة يشهدها المغرب، تقوم على دينامية استثمارية مدعومة بتصور استراتيجي واضح وتوجه متقدم نحو تفعيل الجهوية المتقدمة، بما يخدم هدف تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف جهات المملكة.
وأوضح البوبكاري أن الرهان على المشاريع الكبرى في مجال البنيات التحتية بات خيارًا استراتيجيًا لتعزيز وتيرة النمو الاقتصادي وتحفيز جاذبية الاستثمار، مبرزًا أن الجهة الشرقية أصبحت اليوم في صلب هذه الدينامية من خلال إطلاق مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يُنتظر أن يُحدث نقلة نوعية في تموقع شرق المملكة، عبر تحويله إلى بوابة اقتصادية جديدة وتعزيز حضور المغرب على المستويين الإقليمي والدولي، على غرار التجربة الناجحة لميناء طنجة المتوسط.
وأشار المتحدث إلى أن المشروع لا يقتصر على تشييد ميناء بحري بالمعنى التقليدي، بل يندرج ضمن تصور مندمج يربط بين النقل البحري والأنشطة الصناعية والخدمات اللوجستية وشبكات الربط الطرقي والسككي، بما يمنحه أثرًا بنيويًا عميقًا على اقتصاد الجهة الشرقية، يتجاوز منطق العبور إلى إرساء منظومة إنتاجية متكاملة. ولفت في هذا السياق إلى أن الجهة الشرقية ظلت لسنوات بعيدة نسبيًا عن مراكز النمو الرئيسية، وتعاني من محدودية القاعدة الصناعية وهيمنة أنشطة تقليدية، غير أن المشروع الجديد يفتح آفاقًا لقلب هذه المعادلة عبر بناء نموذج اقتصادي حديث قائم على التصنيع والتصدير والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة العالية.
وفي ما يتصل بالرهان الاستثماري، أبرز البوبكاري أن المشروع يرتكز على استثمارات ضخمة في إطار شراكات بين القطاعين العام والخاص، تواكبها تهيئة منطقة صناعية ولوجستية محاذية للميناء، موجهة لاستقطاب مشاريع إنتاجية وخدماتية قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الجهوي. واعتبر أن استلهام تجربة ميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى قطب اقتصادي محوري أعاد تموقع شمال المغرب على خارطة الاقتصاد المتوسطي والدولي، يجعل من ميناء الناظور غرب المتوسط مشروعًا واعدًا للقيام بالدور نفسه لفائدة الجهة الشرقية.
وعلى مستوى إدماج المشروع في محيطه الترابي، شدد المتحدث على أن نجاح الميناء يبقى رهينًا بتقدم برنامج الربط الموازي، الذي يشمل إنجاز الطريق السيار الرابط بين كرسيف والناظور، وتأهيل عدد من المحاور الطرقية، خاصة الطريق الساحلي (الوطنية رقم 16)، إضافة إلى التخطيط لربط سككي فعّال يضمن انسيابية نقل البضائع نحو الشبكة الوطنية. واعتبر أن هذه الأوراش ستُسهم في فك العزلة عن عدد من أقاليم الجهة الشرقية، وتعزيز إدماجها في منظومة النقل الوطنية، بما يحوّل الميناء إلى منصة استراتيجية لربط المغرب بالأسواق الأوروبية والإفريقية عبر البحر، مع ما يواكب ذلك من رفع تنافسية الصادرات وتقليص كلفة الاستيراد والتصدير.
وفي البعد المتعلق بالرأسمال البشري، شدد الدكتور البوبكاري على أن التحول البنيوي المنشود لا يمكن أن يتحقق بالاستثمار في البنيات التحتية وحدها، بل يقتضي مواكبة بشرية عبر ملاءمة منظومة التعليم العالي والتكوين المهني مع متطلبات المهن الجديدة المرتبطة بالموانئ واللوجستيك والصناعة. ودعا في هذا الإطار إلى توجيه مسارات التكوين نحو تخصصات مرتبطة بسلاسل الإمداد، وتكنولوجيا الموانئ، والنقل البحري، والهندسة الصناعية، فضلاً عن تعزيز الكفاءات اللغوية الضرورية لمواكبة متطلبات التجارة الدولية.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن الجهة الشرقية مقبلة على آفاق تنموية واعدة إذا ما تحقق التكامل بين البنية التحتية وشبكات الربط والقاعدة الصناعية وتأهيل الموارد البشرية، وإذا ما تُرجمت الرؤية الاستراتيجية إلى استثمارات منتجة قادرة على إحداث قيمة مضافة حقيقية وخلق فرص شغل مستدامة، بما يجعل من ميناء الناظور غرب المتوسط قاطرة لتنمية إقليمية شاملة تُسهم في تغيير واقع الجهة الشرقية وترسيخ مكانتها كقطب اقتصادي جديد على المستويين الوطني والإقليمي.












