“رحسني العتيد و البحر العنيد.. بقلم الأستاذ بوجمعة لكوي

2020-02-25T18:11:21+00:00
2020-02-25T18:14:39+00:00
.مقالات رأي
bt25 فبراير 2020آخر تحديث : منذ 4 أشهر
“رحسني العتيد و البحر العنيد.. بقلم الأستاذ بوجمعة لكوي
رابط مختصر

بقلم : الدكتور بوجمعة الكوي

نام الليلُ، لكن النسيم الصيفي البارد الكامد الهامد، مازال قويا، حسب ما أعلنته الأرصاد في هذه البلدة الحبلى بالمصائد والشدائد، حيث لا تكفي القصائد والجرائد، في رواية قصص الصناديد، الذين لا يتقنون سوى التهديد والوعيد. غادر “رحسني” إحدى مقاهي البلدة، بنفسية جاحدة جامدة، التي تستحق زيارة العيادة … كره جميع عنتريات اهل القرية الصاخبة، التي ما قاتلت ذبابة، ولا حركت اتربة، ولا كرست محبة. ‘اين المسير في هذا الطريق المرير؟ ‘ يتساءل ‘رحسني’ في طيات نفسه، الملتهبة بالنار، بسبب كثرة الاخبار، وقلة الاخيار، وارتفاع الأسعار. انها لحظات الانكسار والانهيار، وفقدان الإصرار في زمن هاتك فيه قومه الاستار، وخالفو فيه الانوار. يقول ‘رحسني’ سيحاسبون في يوم تشخص فيه الابصار، ما دموا يقرعون طبول العار والشنار، فأصبحت قلوبهم كالحجر، وذنوبهم كامتداد عمق البحار.
توجه ‘رحسني’ بخطى متثاقلة نحو منزله، وقد شعر بغصة في حلقه، بعد ان خسر مباراة الدومينو مع صديقه العدو الملقب ب ‘النعناع’، فأصبح واجما، كاظما، يستقبل فقط ما يزلزل عزمه، ويكهرب اعصابه، ويضعف تبختره، ويجرجر كبرياءه، انه جريح القلب قيح الصدر، تسممت افكاره، وازدادت سماجته، وكره أصله وفصله. تابع مسيره الى بيته الكائن فوق هضبة صغيرة في البلدة، وسط ايقاعات ليلية طبيعية جبلية… قمرٌ بِضوءٍ ُمزيف مُستخفٌّ بِنُجوم أزلية تتلألأ…نعيق بومة برية على غُصْنِ شَجَرةٍ عَجوز عارية…عواء ذئاب ضالة…نقيق ضفدعة سمينة خضراء فاقعة لونها…نقنقة دجاج وهديل حمام من هنا وهناك…ثغاء وخوار ومأمأة خرفان من بيت الحاج ‘حادو’ …. مواء قطة بيضاء أبدت غنجا أمام قط اسود… صفير الرياح وحفيف الأشجار نسجا سيمفونية طبيعية ممزوجة بهبوب نسائم ندية، صفقت لها اجنحة طيور الليل، وارتجفت لها أوراق الأشجار في الظل…كل هذا الهب ذهن ومخيلة ‘رحسني’، فتذكر الاهوال والاحوال التي وجهها في اسبانيا والامصار، وجعلته يكابد الاغلال والاذلال، قاطعا الاوحال والاميال للوصول الى اسبانيا، التي مازال يتذكر لحظات شرب النبيذ والنوم وسط الافخاذ، والتلذذ بالقبلات الرذاذ، بدون مستغذ يتعوذ. هل هناك أحسن من هذا الملاذ؟ يتساءل ‘رحسني’ في نفسه.

وصل الى الحظيرة الصغيرة المجاورة لبيته، التي تتطاير منها رائحة الأطيان والأعلاف والفئران، وصهيل حصان يأكل التبن، وقشور الرمان المجففة في الخزان، وبعض البرتقال الداكن المسروق من الدكاكين، من طرف الصبيان. دخل المنزل، وتيقن ان مبدأ الكلام المباح لم يعد ساري المفعول في هذا الظلام الكاسح، وأصبح مؤجلا حتى الصباح. توجه بخطوات خفيفة نحو المطبخ، الذي تبعث منه رائحة البصل في الركن المنعزل، باحثا عن بقايا عشاء اسرته “صلصة طماطم بزيت الزيتون وسمكتين مقليتين”. تناول السمكتين اللتان اصطدهما من البحر بشباكه املا ان يكون الصيد غدا وفيرا، بعيدا عن الاخطار، وبأقل الاضرار، حتى يتبختر ويتاجر ويدخر.
استيقظ في الصباح الموالي بدون منبه معتمدا على حسته الادراكية الغير الأرستقراطية، فشباكه في عرض البحر تنتظره، والبحر هو ذلك الأفق الواسع، الذي يأخذه إلى عالم آخر يجد فيه ذكرياته الجميلة، التي تعطيه الراحة النفسية، والسعادة المترامية مع أمواجه الساحرة. يحب البحر .. في قوته .. وهدوئه .. وظلمته … وجماله. لقد تنفس الصبح بعد ظلمة وحلكة الليل. ارتشف بعضا من قهوته الصباحية، التي مرت عبر بلعومه، وصعدت إلى الأعلى تتراقص في عقله، فدغدغت مزاجه، ليعيش هوسا مؤقتا لذيذا. أشغل سيجارتين من نوع “مارلبورو”، وحمل مذياعه الصغير المحمول، الذي كان مبرمجا على موجة ‘أف أم’ وذبذبات ‘ميد راديو ‘ الذي كان يبث أغنية ‘من حبيبي انا’ لوائل كفوري ونوال الزغبي’:
وائل كفوري: مين حبيبي أنا ردّي عليي وقولي مين حبيبي أنا
نوال الزغبي: إنت اللي بحبو أنا ساكن بقلبي وروحي و إنت البلسم لجروحي إنت حياتي و غرامي أنا
يقذف ‘رحسني’ في البحر كل آلامه وهمومه، ويشكو له كل أحزانه وأفراحه واقرحه، فحياته هي البحر والبحر هو حياته. يساعده على جمع أفكاره، وتقلباته حسب بورده وجموحه. انه وطنه وجنونه ورقته وشجونه، الذي يحكي له أنانيته وجبروته. انه صديقه الذي يهمس له بوحدته، ولا يكشف اسراره. وصل الى البحر جسورا، والبحر يمتلئ بخيوط الشروق وأصوات الأمواج، التي تحرك الاشواق وتفتح الافاق. العصافير تزقزق معلنة بداية النهار لكل البيارق والزوارق، لمن اردا التعرق ويصنع الفوارق. طيور النوارس الغطاس يتشمس وينفض قطرات الندى من ريشه الناعم الملمس…
دفع قاربه الى البحر، وصفير الرياح الخفيفة تتناغم مع صوت الأمواج مصدرة صوتا يريح النفس، ويذهب النعاس، وينسيه في كلام الناس الوسواس. “يامن تبعث للقريب جوهرا، وللبعيد مطرا، وللصياد رزقا مدرار، ولسائح انبهارا، وللمهموم اصطبارا” يقول ‘رحسني’ مخاطبا البحر بسماجة لجوجة هائجة. وصل الى موقع شباكه، وحالته الباطنية تعجر كل القوامس المعجمية، في وصفها فقال مزمجرا صادحا كالهزار:
“أيها البحر العتيد العنيد …يامنهك الأجساد، وصديق الأجداد، وصاحب الامجاد …يامن عجزت عن مراقبتك كل الأرصاد، في كل الامصار …. يا مبطن الاخطار والاهوال، في كل الأزمنة والاحوال …. هب لي قليلا ممن في بطنك خاصة الأسماك …انها غاية الادراك، وهذا الحراك حتى انام على الأرائك، واستعمل الأتوماتيك. ”
بدا في سحب شباكه بعد قول ‘بسم الله’ ولم يعد قوله يفسر عمله. الشباك مملوءة عن اخرها بجميع أنواع الطحالب والأعشاب الغير المرغوب فيها. تنظيف هده الطحالب سيفلق ظهره، ويعقر ناقته العرجاء في هذه البلدة المتلونة الطباع، المتغيرة الإيقاع، المليئة بالخداع، في كل الأوضاع. لم يستسغ ‘رحسني’ الامر الان، مركب عزمه مشلول، وامله اخذ في الاضمحلال ورجاءه في البحر يتوال، فقط طحالب بكل الاشكال. أحس بعدم القدرة على التعبير والتصريح، فقال كاظما:
“عش لوحدك أيها البحر البخيل …. يامن رددت الي الأثقال… وزدت الاذلال …. واجبرتني على جر الاذيال …. اعطيتني فقط الاوحال …. عش لوحدك أيها البحر المجلجل …. لا تريد من يجادل ويتحصل ويحاصل …… عش لوحدك أيها البحر المشغول…. لاستحق ان أعيش معك، فانا متسول بدون محصول.’