ناظوربريس:متابعة
يعيد ملف إحدى رخص البناء بمدينة الناظور طرح أسئلة جوهرية حول كيفية تدبير قرارات التعمير، وحدود السلطة التقديرية للإدارة، ومدى التقيد الصارم بمبدأ سيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الإطار القانوني المنظم واضح في مضامينه. فبموجب القانون رقم 12-90 المتعلق بالتعمير، تظل رخصة البناء من اختصاص رئيس المجلس الجماعي، غير أن هذه الصلاحية تمارس داخل ضوابط محددة، وعلى رأسها احترام وثائق التعمير المعتمدة وآراء المصالح التقنية المختصة داخل اللجنة الإدارية، وفي مقدمتها الوكالة الحضرية وممثل السلطة الإقليمية. فالأمر لا يتعلق بسلطة مطلقة، بل بقرار إداري يفترض أن يستند إلى أساس قانوني مضبوط.
كما أن القاعدة المستقرة في مجال التعمير تقضي بأن وثائق التخطيط الجديدة، بمجرد المصادقة عليها ونشرها، تصبح المرجع الوحيد الواجب التطبيق. ولا يمكن الاحتجاج بتصاميم سابقة إذا لم تعد منسجمة مع المقتضيات الجاري بها العمل. فاستقرار القواعد القانونية يقتضي وضوح المرجعية، تفادياً لأي تضارب أو تأويل.
على المستوى الدستوري، فإن سمو القانون ومساواة الجميع أمامه، بمن فيهم السلطات العمومية، يشكلان ركيزة أساسية لدولة المؤسسات. كما أن مبادئ الشفافية، والجودة في تدبير المرافق العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، تفرض أن تكون القرارات الإدارية معللة تعليلاً صريحاً ومؤسساً على نصوص واضحة، خاصة عندما يتعلق الأمر برفض طلب إداري.
وفي الحالة التي حاز فيها مشروع على موافقة تقنية من المصالح المختصة، ثم صدر قرار بالرفض، يظل السؤال القانوني مطروحا.. ما هو السند التشريعي المحدد الذي بُني عليه هذا القرار؟ هل يتعلق الأمر بعدم مطابقة صريحة لوثيقة تعمير سارية؟ أم بوجود مانع قانوني محدد يمكن بيانه بشكل دقيق؟ فالأصل أن منح الرخصة أو رفضها يرتبط بمدى مطابقة المشروع للقانون، لا بشخص المستثمر أو بتاريخ تملك العقار.
إن أي تباين غير مبرر في المعاملة، إن ثبت، قد يثير إشكال احترام مبدأ المساواة أمام المرفق العام، ويؤثر على استقرار المراكز القانونية وثقة الفاعلين الاقتصاديين. فالإدارة القوية ليست تلك التي تملك سلطة المنع، بل التي تمارس اختصاصاتها في إطار من الوضوح، والانسجام، والالتزام الصارم بالنصوص المنظمة.
تعزيز الثقة في المؤسسات يمر عبر قرارات شفافة، مؤسسة قانوناً، وقابلة للفهم من طرف المرتفقين. فدولة القانون لا تقاس فقط بوفرة التشريعات، بل بمدى تطبيقها بعدل وتجرد، بما يرسخ الأمن القانوني، ويحفز الاستثمار، ويكرس مبادئ الحكامة الجيدة.













