ناظوربريس
إذا كانت المؤسسة التشريعية يفترض أن تكون فضاء لصناعة القوانين ومناقشة السياسات العمومية ومراقبة عمل الحكومة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح داخل إقليم الدريوش هو.. كيف يمكن لشخص لا يتقن القراءة والكتابة أن يطمح إلى تمثيل المواطنين تحت قبة البرلمان؟
لقد أصبح المشهد السياسي المحلي يفرز مفارقات يصعب استيعابها. فبينما يطالب المواطنون ببرلمانيين قادرين على الترافع عن قضايا الإقليم والدفاع عن مصالح الساكنة بلغة الأرقام والملفات والمعطيات الدقيقة، تبرز في المقابل أسماء تتباهى بأموالها ونفوذها وعلاقاتها، رغم افتقارها إلى أبسط المقومات المعرفية التي يفترض توفرها في من يطمح إلى سن القوانين أو مناقشتها.
وتتداول الأوساط المحلية روايات تثير الكثير من علامات الاستفهام حول المستوى المعرفي لبعض الطامحين إلى الترشح. فخلال إحدى مراحل التصويت داخل اللجان التابعة لمجلس المستشارين، ووفق ما يرويه عدد من المتابعين، تم تسليم أحد المنتخبين ورقة تتضمن النقاط المدرجة للتداول من أجل تتبع أشغال الجلسة والتصويت بشأنها، غير أنه وجد نفسه عاجزا حتى عن قراءة محتواها أو مسايرة مجريات النقاش، في مشهد اعتبره الحاضرون دليلا على حجم الهوة الفاصلة بين المسؤولية العمومية والكفاءة المطلوبة لتحملها.
إن البرلمان ليس مناسبة اجتماعية ولا وجاهة سياسية ولا وسيلة للتفاخر أمام الناس. إنه مؤسسة دستورية تناقش مشاريع قوانين وميزانيات واتفاقيات دولية وتقارير معقدة تحتاج إلى الحد الأدنى من القدرة على القراءة والفهم والتحليل. فكيف لمن يعجز عن قراءة ورقة بسيطة أن يستوعب مشروع قانون من عشرات الصفحات أو أن يراقب عمل الحكومة أو يدافع عن مصالح المواطنين داخل اللجان البرلمانية؟
الأكثر إثارة للاستغراب أن بعض هؤلاء لا يرون في هذا النقص أي حرج، بل يقدمون أنفسهم باعتبارهم الأجدر بالتمثيل، مستندين إلى المال أو النفوذ أو شبكة المصالح، وكأن الكفاءة والعلم والمعرفة أصبحت تفاصيل ثانوية في زمن الرداءة السياسية.
إن ساكنة الدريوش التي تتطلع إلى التنمية وفك العزلة وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، لا تحتاج إلى نواب يجهلون أبجديات العمل التشريعي، بل إلى كفاءات قادرة على حمل ملفات الإقليم والدفاع عنها بالحجة والمعرفة والقدرة على الإقناع.
لقد آن الأوان لطرح نقاش جدي حول معايير الترشح للمؤسسات التمثيلية، لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على حق الترشح، بل أيضاً على ضمان حد أدنى من الكفاءة التي تؤهل صاحبها لتحمل مسؤولية التشريع والرقابة وصناعة القرار.
فالدريوش أكبر من أن تختزل في صراع المال والنفوذ، وأكبر من أن يمثلها أشخاص يعجزون عن قراءة ورقة، بينما يطمحون إلى قراءة مستقبل إقليم بأكمله.













